سعيد حوي

2004

الأساس في التفسير

واصفا إياهم بالجهل . وأي جهل أفظع من الجهل بعظمة الله وجلاله ، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل . ثم بين لهم أن هذا الذي عليه هؤلاء هالك وعملهم باطل . ثم ذكرهم موسى بنعم الله عليهم من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره ، وما كانوا فيه من الهوان والذلة ، وما صاروا إليه من العزة والاستعلاء على عدوهم ، والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره . وما أكرمهم به من تفضيل على عالمي زمانهم ، فكيف يطلب لهم ربا غير الله ، وقد فعل لهم كل هذا ؟ ذكرهم بأقرب الأشياء إليهم لأنها أقرب الحجج عليهم . وإلا فمثل موسى لا يطلب ربا سوى الله ، ولا يدعوهم إلى رب سوى الله . فضلهم أو لم يفضلهم . أنجاهم من ظلم فرعون . أو أبقاهم . فله الأمر من قبل ومن بعد . ومن بداية المقطع نشعر كيف يتسرب الانحراف ، وكيف يبدأ وكيف يكون . فها هي أمة ترى المعجزات التي رأتها ، ومع ذلك فإنها تطلب أن يكون لها أصنام تعبدها من دون الله . ورسولها بين أظهرها ، وأرجلها لم تكد تجاوز البحر الذي رأت في سيرها فيه وانشقاقه لها أعظم معجزة . ثم يقص الله عزّ وجل علينا ما أتم به النعمة على موسى وقومه ، إذ أنزل عليهم الألواح في خلوة موسى مع ربه على الطور . وما ذا فعلوه من الانحراف الجديد خلال غيبته . فذكر تعالى ممتنا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية ، بتكليمه موسى عليه السلام ، وإعطائه الألواح ، وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم . فذكر أنه واعد موسى ثلاثين ليلة . ثم أمره تعالى أن يكمل بعشر أربعين . فلما عزم موسى على الذهاب إلى الطور ، استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون ، ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد ، من باب تحقيق التواصي ، وإلا فإن هارون رسول ونبي شأنه الإصلاح وعدم الإفساد . فلما جاء موسى لميقات الله وحصل له التكليم من الله ، سأل الله تعالى أن ينظر إليه . فبين الله له أنه لا يمكن أن يراه في الدنيا ، وعوضه عن الرؤية بأن أمره أن ينظر إلى الجبل فإذا رأى الجبل مستقرا عند تجلي الله على الجبل فعندئذ يمكن أن يراه ، فلما تجلى الله للجبل ساخ الجبل وانهد ، وخر موسى مغشيا عليه من هول ما رأى ، فلما أفاق من صعقه بدأ يسبح الله وينزهه ، والتسبيح في هذا المقام يفيد تنزيه الله عن أن يراه أحد في الدنيا . ثم ثنى بالتوبة مما سأل . وثلث بالإعلان عن نفسه أنه أول المؤمنين من قومه ، أو أول المؤمنين بأنه لا يرى الله أحد من خلقه . فقال الله لموسى في هذا المقام مذكرا إياه بنعمه عليه إذ اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه ، آمرا إياه أن يأخذ ما آتاه الله من الكلام والوحي والمناجاة ، وأن يكون من الشاكرين على ذلك ، وألا يطلب ما